التعليم عن بعد تحت القصف
واختبار المسؤولية بين المدرسة والأهل
To my English-speaking subscribers:
I’m sharing this piece in Arabic because it addresses a social issue unfolding in Lebanon and is primarily intended for a local audience. Thank you for your understanding.
ينقل عن ماري أنطوانيت أنها سمعت بالمظاهرات التي سبقت الثورة الفرنسية وسألت عن مطالب الناس فقيل لها: "إن الناس لا يجدون خبزًا"، فكان جوابها: “فليأكلوا الكعك".
هذه العبارة - إن صحت - صارت مثالًا يذكر لمن لا يدرك معاناة الآخرين ويستهين بظروفهم، فقط لأنه لا يعيشها بنفسه، لسان حاله كالمثال الدارج “من بعد حماري ما ينبت حشيش”.
أو كما يقولون باللغة الإنجليزية: Me, Myself, and I
في الحروب تظهر المعادن
قد يخضع الكثير من الناس للظروف نفسها.
الجميع يسمعون نفس الانفجارات، نفس التحذيرات..
زنانة تعلو فوق رؤوس الجميع، وشوارع مليئة، وضغط نفسي يدخل كل بيت تقريبًا.
لكن ردات الفعل تظهر معادن الناس.
بعض الناس كان ابتلاؤهم في هذه الحرب شديدًا،
استشهـ ـاد بعض أفراد أسرتهم، وخسارة بيوتهم، والتهجير بأشكاله المختلفة (إلى مدرسة أو بيت قريب أو خارج لبنان)
بعض الناس قد يكون بلاؤهم بتغير في ظروف الحياة، كالتعامل مع تعليم الأولاد من بعد، أو الزحمة الخانقة في شوارع مدينتهم، أو تحمل قريب نازح أو ما إلى ذلك.
هذا المقال لا يتطرق إلى أي جانب سياسي أو تحليلي فكلنا شبعنا من هذه المقالات (على أهميتها)، لكنه يسأل سؤالًا جوهريًا عن الجانب المجتمعي والأخلاقي والديني الذي يتعلق بدور كل واحد منّا، وما يصدر عنا من مواقف وعبارات قد تهدم قيمًا تربينا عليها، وقد يكون هذا الهدم أكثر فتكًا لمجتمعنا من هدم البيوت والطرقات.
كلنا مبتلى
في الحروب تظهر المعادن
وكلنا مبتلًى في هذه الحرب بشكل أو بآخر.
من موقعي كوالد لأربعة طلاب من أعمار مختلفة، وفي السنة الثالثة بعد مجيئي إلى لبنان قادماً من الولايات المتحدة الأميركية أقول:
ظهرت معادن الفريق التعليمي في مدرسة أبنائي بشكل رائع: من المعلمين والمعلمات من أخذ على عاتقه توفير جو أفضل لطلابه، رغم أنهم قد لا ينامون في الليل بسبب أصوات الانفجارات، ورغم أن بعضهم نازحون عند أقاربهم أو يؤوون نازحين، ورغم أن أغلبهم آباء وأمهات يحاولون التوفيق بين مسؤولياتهم تجاه عائلاتهم وأمانة العلم والتعليم لطلابهم.
وخلافًا لما يعتقد البعض، فإن التعليم من بعد يأخذ من المعلم أضعاف الوقت في التحضير والمتابعة والتواصل. ومع ذلك فإن هؤلاء الأساتذة الأبطال لا يلتزمون فقط أقلَّ القليل من واجباتهم الوظيفية، وإنما يضحون بأوقاتهم وأوقات أسرتهم خارج الدوام.
إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها...
وأنا شاهد على تحدي المدرسين في مجتمعنا لكل الظروف والصعاب حتى يغرسوا تلك الفسيلة رغم الصعاب.
فليأكلوا الكعك
في الحروب تظهر المعادن
بعض الأهالي – وأصرّ على كلمة البعض وعلى عدم التعميم – يسأل هل يتوجب عليه أن يستمر بدفع القسط الدراسي كاملًا بما أن المدرسة حوّلت التعليم إلى تعليم من بعد بسبب الظروف؟
الكلام هنا ليس موجهًا إلى من يمرّ بضائقة مالية، بل إلى من يتنصل من مسؤولياته التي تعهد بالتزامها بذريعة أن التعليم من بعد لا يرقى إلى نوعية التعليم الوِجاهي (الحضوري)
شاهدت مقطع فيديو في الكيان المحتل عن أناس يطلبون وجبة ماكدونالدز ثم يتهربون من الدفع حين يرنّ جرس الإنذار..
وأنا أربأ بإخواني وأخواتي أن يصدر منهم مثل ذلك التصرف ولو ظاهريًا!! ولو مؤقتاً!!
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “مطل الغني ظلم”
أنا أتفهم معاناة الجميع، فكلنا تضررنا من الحرب بشكل أو بآخر، أنا والد لأربعة تلاميذ، وأعاني أنا وزوجتي مما يعانيه الجميع في لبنان من بطء الإنترنت وصعوبة تركيز الأولاد على التعليم عن بعد، وقد أشعر بالغبن من تراجع مستوى إستفادة أبنائي من التعليم في مثل هذه الظروف.
مطل الغني ظلم
لكني بنفس الوقت أتفاجأ من منطق البعض - وأعتذر بسبب قساوة هذه الأسئلة:
هل من المعقول أن يخطر ببال البعض ممن يسّر الله لهم وفتح عليهم أن يتنصلوا من أمانة إتمام القسط الدراسي؟
ما هو تعريفنا للتربية والتعليم الذي أريد من أبنائي أن يستمدوه من هذه المدرسة ومن هذا المجتمع ومن هذه التجربة كلها؟ هل التعليم فقط أكاديمي (رياضيات ولغات وعلوم)؟ وماذا عن القيم والأخلاق والأمانة التي نريد زرعها في أبناءنا؟
هذا القسط الدراسي ليس صدقة وليس مال زكاة، بل التزام التزمه الوالد، لقد أعطى كلمة تجاه المدرسة وتجاه المجتمع أن يلتزم الأقساط حتى آخر العام.
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.
وإذا كان أغلب المعلمين (على الأقل في المحيط الذي أنا فيه) قد تجاوزوا منطق الحد الأدنى الوظيفي، وقدموا من وقتهم وجهدهم أضعاف المطلوب، رغم الخوف والضغط والنزوح والانشغال بعائلاتهم، فلا أقل من أن يتفهم الأهالي هذه التضحية، وأن يكونوا أيضًا على نفس المستوى من الوعي المجتمعي، بعيدًا من التفكير الفردي أو الأناني.
درس لن ينساه أولادنا
في الحروب تظهر معادن الناس
وأنا أربأ بأهالينا وجيراننا وأحبائنا أن تتسلل إليهم أفكار ومواقف أنانية لا تعبر عن ديننا وأخلاقنا في مثل هذا الظرف، إذ إن كل واحد منا هو في بلاء {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}
وهذه الأوقات ليست أوقات حسابات ضيقة وإصطفاف مع إدارة المدرسة أو ضدها!
بل هي أوقات يظهر فيها معنى التضامن ومعنى الوقوف إلى جانب من يحمل أمانة تعليم أبنائنا. وهي فرصة أن نعلم أبناءنا درساً خارج الأطر الأكاديمية عن التعاون والتضامن بين أبناء المجتمع، بأن نكون ممن يلتزمون بكلماتهم، وأن نعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وأن نطبق قوله تعالى:
{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}
بين المثبتين… والمثبطين
بفضل الله الدنيا لا زالت بخير.
ومن الأهالي وأفراد المجتمع من شمّر عن ساعد الجدّ، وكان جزءاً من الحل والدعم بدلاً من أن يكون جزءاً من المشكلة، وأسمع أولئك الأساتذة من الدعم والدعاء الشيء الكثير
وبين المثبطين والمثبتين تظهر معادن الناس، وأصلًا الحياة كلها بلاءات.
ولأن هذه الأزمة ليست الأولى على لبنان ولن تكون الأخيرة،
وكلنا سيلقى الله بموت أو بقصف أو بشهادة، لكن ما يبقى هو تلك المواقف الصغيرة التي نترك فيها أثرًا لمن بعدنا بداية بأولادنا.
{إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}
وأعتذر بسبب قساوة هذه المقالة إذ إنها تصدر عن قلب محب لمجتمعنا
والعتب على قدر المحبة كما يقولون
د. مهند حكيم

